مولي محمد صالح المازندراني

78

شرح أصول الكافي

راجعة إليهم والاُخرى راجعة إليه ، فأشار إلى الفائدة الاُولى بقوله : ( إنّما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم ) هذه الفائدة وإن علمت بمجرّد فعله ( عليه السلام ) لكنّه صرّح بها حرصاً على إظهارها ورفعاً لاحتمال غفلتهم عنها وتأكيداً في المبالغة على فضيلة التواضع التي يتمّ بها نظام الدنيا والآخرة « وكي » حرف تعليل تفيد سببيّة ما قبلها لما بعدها وينتصب المضارع بعدها بنفسها أو على إضمار « أن » على قول ، واللام الداخلة عليها زائدة للتأكيد ، لأنّها بمعناها و « ما » زائدة . ( ثمّ قال عيسى ( عليه السلام ) ) للإشارة إلى الفائدة الثانية . ( بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر ) تقديم الظرف يفيد الحصر والنفي بلا تأكيد للجزء السلبي ، بيّن ( عليه السلام ) ذلك الحكم بالتمثيل تشبيهاً للمعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح والتقرير فقال : ( وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل ) السهل نقيض الجبل يعني كما أنّ الأرض إذا كانت سهلة لينة تقبل نبات الزرع ونموَّه وإذا كانت صلبة حجرية جبليّة لا تقبله كذلك القلب إذا كان سهلاً ليّناً بالتواضع والرقّة والشفعة يقبل نبات زرع الحكمة وإذا كان صلباً غليظاً بالتكبّر والتفاخر والخشونة ونحوها لا يقبله . فإن قلت : هذا التمثيل يفيد أنّ الحكمة من آثار التواضع ، وهذا ينافي ما ذكرت قبل من أنّ التواضع من آثار العلم والحكمة . قلت : هذا التمثيل يفيد أنّ زيادة الحكمة ونموّها من آثار التواضع وما ذكرناه آنفاً هو أنّ التواضع من آثار أصل الحكمة فلا منافاة وليس هذا مختصّاً بالتواضع بل يجري في سائر الأخلاق والأعمال أيضاً ، وإن أردت زيادة توضيح فنقول : للحكمة - وهي العلم بالحقائق والمعارف والأخلاق ( 1 ) - مراتب مختلفة في الشدّة والضعف والكمّية والكيفيّة والثبات وعدمه ، كما أنّ لتلك المعلومات مراتب مختلفة وإذ اُلقي بذر الحكمة الذي هو نور إلهي في القلب يهتدي القلب إلى الصفات الجميلة اللائقة به ، وإلى الأعمال الصالحة المناسبة للجوارح ، فإذا اتّصف القلب بتلك الصفات واتّصفت الجوارح بهذه الأعمال ; لانَ القلب ورقّ وسهل وذلّ فحصل له حالة اُخرى أشرف من الاُولى فينبت بذر الحكمة وينمو ويزداد وهذه مرتبة اُخرى من الحكمة موجبة لمشاهدة القلب حالة اُخرى من الصفات ومنشأ لاتّصافه بها ، ثمّ

--> 1 - الحكمة هنا علم الحكمة الاصطلاحي المنقسم إلى النظري والعملي ، وأشار إلى الأوّل بقوله : العلم بالحقائق والمعاني وإلى الثاني بالأخلاق . ( ش )